المقريزي
110
المقفى الكبير
يبالغ في تعظيم نفسه ، حتى إنّه كان له امرأة جعلها نقيبة في دار حرمه . فإذا دخل عليهنّ تلقّته النقيبة من الباب ومشت بين يديه وهي تقول : باسم اللّه ! سيّدنا ومولانا قاضي القضاة ! - ونعوت كثيرة فيها تفخيم وتقعير ، حتى ينتهي إلى مرتبة عالية في صدر بيته فيجلس عليها ، ويقف نساء داره بأجمعهنّ بين يديه بأدب زائد وسكون . فيلتفت إلى زوجته ويقول لها : أكرمي النقيبة ، فإنّها تعظّم بعلك ! فكان يعاب عليه إفراطه في التكلّف والخيلاء ، وخروجه عن الحدّ في الترفّع والاستعلاء ، ومبالغته في تقعير الألفاظ بحيث كان يثقل كلامه ويمقت على ذلك . هذا مع قوّة نفسه وتشدّده في الأحكام . واتّفق أنّ تقيّ الدين أبا عبد اللّه محمد بن أبي بكر بن عيسى [ 90 ب ] الإخنائيّ ، لمّا ولي قضاء القضاة المالكيّة في جمادى الآخرة سنة ثماني عشرة وسبعمائة ، استقلّه الناس لصغر سنّه وكونه أقلّ نوّاب قضاة المالكيّة ، فأنف ابن الحريريّ من ذلك وأخذ خطوط شيوخ المالكيّة بعدم أهليّته وركب إلى القلعة . فعند ما صار بالصوة « 1 » تحت القلعة ، جفلت بغلته فألقته إلى الأرض فتصدّعت عظامه ، وحمل على الأعناق إلى منزله بالمدرسة الصالحيّة بين القصرين . فلزم الفراش أيّاما ، وشغل عن الإخنائيّ بما هو فيه ، فتمّ أمره . واتّفق له أيضا عزله عن قضاء مصر ، وسببه أنّ الأمير بكتمر الساقي لمّا أنشأ له السلطان الملك الناصر محمد بن قلاوون دارا في أرض الميدان المطلّ على بركة الفيل ، وأدخل فيه دار الأمير سلّار وإخوته ، قصد توسعة إصطبل هذه الدار بإدخال قطعة من البركة ، والبركة من أوقاف الملك الظاهر بيبرس البندقداريّ على ذرّيّته . فتقدّم إلى القاضي ابن الحريريّ باستبدال ما يحتاج إليه من أرض البركة بما هو خير منها ، كما هو مذهب الحنفيّة في استبدال الأوقاف . فامتنع من ذلك ، وفاوض السلطان بسببه مفاوضة أدّت إلى تنافس . وآخر ما قال : لا أعرف هذه المسألة في مذهب أبي حنيفة ، وإنّما هي رواية عن أبي يوسف ، وأنا لا أعمل بها ، ولا يجوز استبدال الأوقاف عندي . وقام من مجلس السلطان ، وكلّ منهما قد امتلأ غضبا . وكان مع ذلك قد تقدّم له غير مرّة إهانة النصارى من الكتّاب وغيرهم ، وإلزامهم الصغار ، وإذا وجد أحدا منهم راكبا أنزله وضربه ونكّل به ، وإذا وجده ماشيا وعليه ثياب سريّة أهانه ، فضاق ذرع الأقباط به ، ولم يجدوا سبيلا إلى الطعن عليه . وكان كبير الدولة وعظيمها يومئذ كريم الدين أكرم بن هبة اللّه ناظر الخاصّ . فلمّا قام ابن الحريريّ من مجلس السلطان وهو مغضب ، وجد القبط السبيل إلى كيده . وكان من جملة نواب ابن الحريريّ سراج الدين أبو حفص عمر بن محمود بن أبي بكر ، المعروف بالسراج الحنفيّ « 2 » . فالتزم بالحكم بالاستبدال بالأرض وتوصّل إلى إعلام كريم الدين . فاستدعاه إليه ووعده بإفراد قضاء مصر عن القاهرة ، وتكلّم مع السلطان في ذلك ، فأجابه إليه . وولي السراج قضاء مصر خاصّة في أوّل شهر رجب سنة سبع عشرة [ 91 أ ] وسبعمائة . فلم يمكث غير قليل حتّى مرض ومات في سادس عشرين شهر رمضان منها قبل أن يحكم بالاستبدال . فأعيد ابن الحريريّ إلى
--> ( 1 ) الصوّة : المعلم المنصوب في الطريق ، وأيضا : ما غلظ من الأرض وارتفع . والصوّة في لهجة الساحل التونسيّ : الريف والبادية المغروسة . ولعلّها هنا : مكان معروف قرب قلعة الجبل . ( 2 ) السراج الحنفي : ترجم له المقريزي في درر العقود ( 2 / 318 رقم 368 ) ، خارجا عن شروط الدرر لأنّه مات سنة 717 أي قبل سنة 760 .